فصل: ثم دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمائة

فمن الحوادث فيها أنـه فـي المحـرم خوطـب الأكمـل الزينبي بقضاء القضاة‏.‏

وحكم في خامس عشرين محرم وخلع في صفر بالديوان ومضى إلى جامع المنصور للتثبيت‏.‏

وفيهـا‏:‏ أن الأميـر أبـا الحسـن بـن المستظهـر انفصـل عـن الحلـة فـي صفر ومضى إلى واسط ودعا إلى نفسه واجتمع معه الرجالة والفرسان بالعدة والسلاح وملكها وسوادهـا وهـرب العمـال وجبـى الخـراج فشـق ذلـك على الخليفة فبعث ابن الأنباري كاتب الإنشاء إلى دبيس وعرفه ذلك وقال‏:‏ أميـر المؤمنيـن معـول عليك في مبادرته فأجاب بالسمع والطاعة وأنفذ صاحب جيشه عنان في جمع كثير فلما سمع الأمير أبو الحسن ذلك رحل من واسط منهزمًا مع عسكره بالليل فضلوا الطريـق وسـاروا ليلهـم أجمـع ثـم رجعـوا إلـى ناحية واسط حتى وصلوا إلى معسكر دبيس لما لاح لهـم العسكـر انحـرف الأميـر أبـو الحسـن عـن الطريـق فتاه في البرية في عدد من خواصه وذلك في شهر تموز ولم يكن معهم ماء وكان بينهم وبين الماء فراسخ فأشرف على الهلاك حتى أدركه نصر بن سعد الكردي فسقاه الماء وعادت نفسه إليه ونهب ما كان معه من المال والتجمـل وحمل إلى دبيس وكان نازلًا بالنعمانية فأصعد به إلى بغداد وخيم‏.‏

بالرقة و بعث به إلى المسترشد بعد تسليم عشرين ألف دينار إليه قررت عنه وكانت مدة خروجه إلى أن أعيد أحد عشر شهرًا وكان مديره ابن زهمونه فشهر ببغداد على جمل وقد ألبس قميصًا أحمر وترك في رقبته مخانق برم وخرز ووراءه غلام يضربه بالدرة ثم قتل في الحبس وشفع في سعد اللّه بن الزجاجي فعفى عنه‏.‏

وصـرف ولـد الربيب عن الوزارة ووزر أبو علي ابن صدقة وخطب في يوم الجمعة ثاني عشر ربيـع الـأول مـن هـذه السنـة علـى منابـر بغـداد لولـد الامـام المسترشـد باللّـه فقيـل فـي الخطبة‏:‏ اللهم أنله من الأمل العدة وما ينجز له به موعوده في سلالته الطاهرة في مولانا الأجل عدة الديـن وفي هذه السنة‏:‏ ورد سنجر إلى الري فملكها وحاربه ابن اخيه محمود فانهزم وكان مع سنجر خمسة ملوك على خمسة أسرة منهم ملك غزنة وكان معه من الباطنية ألوف ومن كفار الترك ألوف وكان معه نحو أربعين فيلًا ثم إن محمودًا حضر عند سنجر فخدمه وعـزل القاضـي أبـو علـي الحسـن بـن ابراهيـم الفارقي عن قضاء واسط وولي أبو المكارم علي بن أحمد البخاري‏.‏

وفي ربيع الأول‏:‏ قبلت شهاعة الأرموي وابن الرزاز والهيتي وأبي الفرج بن أبي خازم بن الفراء وانفرد الإمام المسترشد أيامًا لا يخرج مـن حجرتـه الخاصـة هـو ووالدتـه وجاريـة حتـى أرجف عليه وكان السبب مرضًا وقيل‏:‏ بل شغل قلبه‏.‏

وفـي جمـادى الأولـى خلـع علـى أبـي علـي بـن صدقـة ولقب جلال الدين وظهر في هذا الشهر غيم عظيم وجاء مطر شديد وهبت ريح قوية أظلمت معها السماء وكثر الضجيـج والاستغاثـة حتى ارتج البلد‏.‏

وذكر أن دبيسًا راسل المسترشد‏:‏ أنه كان من شرطي في إعادة الأمير أبي الحسن أني أراه أي وقت أردت وقد ذكر أنه على حالة صعبة فقيل له‏:‏ إن أحببت آن تدخل إليه فافعل أو تنفذ من يختص بك فيراه أو يكتب إليك بخطه فأما أن يخرج هو فلا كان قد ندم على تسليمه‏.‏

وورد كتب من سنجر فيها إقطاع للخليفة بخمسين ألف دينار وللوزير بعشرة آلاف ورد إلى الوزير العمارة والشحنكية ووزارة خاتون وفي شعبان وصل ابن الطبري بتوقيع من السلطان بتدريس النظامية وعلى استقبال شوال بدىء بالبناء في التاج وفي العشرين من شوال وصل القاضي الهروي وتلقاه الوزير بالمهد واللواء ومعه حاجب الباب والنقيبان وقاضي القضاة والجماعة وحمل على فـرس مـن الخـاص ونزل باب النوبي وقبل الأرض ثم حضر في اليوم الثالث والعشرين فوصل إلى المسترشد فأوصل له كتبًا وحمل من سنجر ثلاثين تختًا من الثياب وعشرة مماليك وهدايا كثيرة وفي العشر الأوسط من ذي الحجة‏:‏ اعتمد أبو الحسين أحمد بن قاضي القضاة أبي الحسن الدامغاني إلى امرأة فأشهد عليها بجملة من المال دينًا له عليها وقال‏:‏ هذه اختي زوجة ابن يعيـش وشهـد عليهمـا شاهـدان الأرمـوي والمنبجـي فلمـا علمـت أختـه وزوجهـا أنكرا ذلك وشكيا إلى المسترشد فكشفت الحال فقال‏:‏ إني أخطأت في اسمها وإنما هي أختي الصغرى فأبدل اسم باسم فوافقه على ذلك المنبجي وأما الأرموي فقال‏:‏ ما شهدت إلا على الكبرى وكشط من الكتاب الكبرى وكتب اسم الصغرى فصعب هذا عند الخليفة وتقدم في حقه بالعظائم واختفى أبو الحسين فحضر أخوه تاج القضاة عند شيخ الشيوخ إسماعيل وأحضر كتابـًا فيـه إقـرار بنت الزينبي زوجة الوزير عميد الدولة بن صدقة لأخيها قاضي القضاة الأكمل بجملة كبير مـن المـال إمـا ثلاثـة آلاف ونحوها وفيه خطوط اثني عشر شاهدًا وأنه ثبت على قاضي القضاة أبي الحسن الدامغاني أنه زور على أخته‏.‏

وظهر هذا للشهود حتى رجعوا عن الشهادة فإن كـان أخـي قـد أخطـأ ومعـه شاهـد واحـد وخالفه شاهد واحد فهذا قاضي‏.‏

القضاة اليوم يكذبه اثنـا عشـر شاهـدًا فكتـب شيخ الشيوخ الى الخليفة بالحال فخرج التوقيع بالسكوت عن القصتين جميعًا ذكر هذا شيخنا أبو الحسن ابن الزاغوني في تاريخه‏.‏

وفـي هـذه السنـة‏:‏ شـدد التضييـق علـى الأميـر أبـي الحسـن وسـد البـاب وأبقـي منـه موضع تصل منه الحوائـج ثـم أحضـره وقـال له‏:‏ قد وجد في قبة دارك تشعيث ولعله منك وانك قد عزمت على الهـرب مـرة أخـرى وجرى بينهما خطاب طويل وحلف أنه لم يفعل وتنصل ثم أعيد إلى موضعه على التضييق وورد الخبـر بـان دبيـس بـن مزيـد كسـر المنبر الذي في مشهد علي عليه السلام والذي في مشهد الحسين وقال‏:‏ لا تقام ها هنا جمعة ولا يخطب لأحد‏.‏

إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن يوسف أبوغالب النوبندجاني الصوفي ونوبندجـان مـن نواحـي فـارس سمـع مـن ابـن المهتـدي وابن النقور وغيرهما وحدث وكان صالحًا دينًا

وتوفي يوم الأحد خامس رجب ودفن بمقابر الشهداء‏.‏

أحمد بن محمد بن شاكر أبو سعد صاحب ابن القزويني سمع منه ومن العشاري والجوهري وكان صالحًا وتوفي يوم الثلاثاء خامس عشر صفر ودفن بباب حرب‏.‏

أحمد بن الحسن بن طاهر بن الفتح أبو المعالي ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة وسمع أبا الطيب الطبري وأبا يعلـى وابـن المهتـدي وابـن المسلمة وغيرهم وكـان سماعـه صحيحـًا وتوفـي يـوم الأحـد خامـس رجـب ودفـن بمقابـر الشهداء‏.‏

علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الملك بن حمويه أبو الحسن بن أبي عبد اللّه الدامغاني ولـد في رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة وشهد عند أبيه‏.‏

أبي عبد اللّه في سنة ست وستيـن وفـوض إليـه القضـاء ببـاب الطاق وما كان إلى جده أبي أمه القاضي أبي الحسن بن أبي جعفرالسمناني من القضاء وكان يوم تقلد القضاء وعدل ابن ست عشرة سنة ولم يسمع أن قاضيـًا تولـى أصغـر مـن هـذا وولـي القضـاء لأربعـة خلفـاء‏:‏ القائـم والمقتدي إلى أن مات أبوه ثم ولي الشافعي فعزل نفسه وبعث إليه الشامي يقول له‏:‏ أنت على عدالتك وقضائك فنفذ إليه يقول‏:‏ أمـا الشهـادة فإنهـا استشهـدت وأمـا القضـاء فقضـى عليـه وانقطـع عـن الولايـة واشتغـل بالعلـم فقلـده المستظهـر قضـاء القضـاة فـي سنـة ثمـان وثمانيـن وكـان عليـه اسـم قاضـي القضـاة وهـو معـزول فـي المعنـى بالسيبـي والهـروي ولـم يكـن إليـه إلا سمـاع البينة في الجانب الغربي لكنه كان يتطرى جاهه بالآعاجـم ومخاطبتهـم فـي معنـاه ثـم ولـي المسترشـد فأقره على قضاء القضاة ولا يعرف بأن قاضيًا تولى لأربع خلفاء غيره وغير شريح إلا أبا طاهر محمد بن أحمد بن الكرخي قد رأيناه ولي القضاء لخمسة خلفاء وإن كان مستنابًا‏:‏ المستظهر والمسترشد والراشد والمقتفي والمستنجـد ونـاب أبـو الحسـن الدامغانـي عـن الدامغانـي عـن الـوزارة فـي الأيـام المستظهرية والمسترشدية بمشاركة غيره معه وتفرد بأخذ البيعة للمسترشد وكـان فقيهـًا متدينـًا ذا مـروءة وصدقات وعفاف وكان له بصر جيد بالشروط والسجلات وسمع الحديث من القاضي أبي يعلى بن الفراء وأبي بكر الخطيب والصريفيني وابن النقور وحدث‏.‏

وكان قد تقدم إليه المستظهر بسماع قول بعض الناس فلم يره أهـلًا لذلـك فلـم يسمـع قولـه وحدثنـي أبـو البركـات بـن الجـلاء الأميـن قـال‏:‏ حضـر أبـو الحسـن الدامغاني وجماعة أهل الموكب باب الحجرة فخرج الخادم فقال‏:‏ انصرفوا إلا قاضي القضاة فلما انصرفوا قـال لـه الخـادم‏:‏ ان أميـر المومنيـن‏.‏

يحـب يسمـع كلامـك يقـول لـك‏:‏ أنحن نحكمك أم أنت تحكمنا قال‏:‏ فقال‏:‏ كيف يقال لي هـذا وأنـا بحكـم أميـر المؤمنيـن فقـال‏:‏ أليـس يتقـدم إليـك بقبـول قـول شخـص فلا تفعل‏.‏

قال‏:‏ فبكى ثـم قـال لأمير المؤمنين‏:‏ يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة جيء بديوان ديوان فسئلت عنه فإذا جيء بديوان القضاء كفاك أن تقول وليته لذاك المدبر ابن الدامغاني فتسلم أنت وأقع أنا قال‏:‏ فبكى الخليفة وقال‏:‏ افعل ما تَريد‏.‏

وقد روى رفيقنا أبو سعد السمعاني قال‏:‏ سمعت أبا الحسن علي بن أحمد الأزدي يقول‏:‏ دخل أبو بكر الشاشي على قاضي القضاة الدامغاني زائرًا له فما قام قاضي القضاة فرجع الشاشـي ومـا قعـد وكـان ذلـك فـي سنـة نيـف وثمانيـن فمـا اجتمعا إلا بعد سنة خمسمائة في عزاء لابن الفقيه فسبق الشاشي فجلس فلما دخل الدامغاني قام الكل إلا الشاشي فانه ما تزحزح

فكتـب قاضـي القضاة إلى المستظهر يشكو من الشاشي انه ما احترم حرمة نائب الشرع فكتب المستظهر‏:‏ ماذا أقول له أكبر منك سنًَا وأفضل منك وأورع منك لو قمت له كان يقوم لك وكتـب الشاشي إلى المستظهر يقول‏:‏ فعل في حقي وصنع ووضع مرتبة العلم والشيوخة وكتب في أثناء القصة‏:‏ حجاب وإعجاب وفرط تصلف ومدّ يد نحو العلا بتكلف فلو كـان هـذا مـن وراء كفايـة لهـان ولكـن من وراء تخلف فكتب المستظهر في قصته‏:‏ يمشي الشاشي إلى الدامغاني ويعتذر فمضى امتثالًا للمراسم وكنا معه فقام له الدامغاني قيِامًا تامًا وعانقه واعتذر إليه وجلسا يتحدثـان وكـان القاضـي يقول‏:‏ تكلم والدي في المسأله الفلانية واعترض عليِه فلان وتكلم فلان في مسألة كذا وكذا واعتـرض عليـه والـدي إلـى أن ذكر عـدة مسائل فقال له الشاشي‏:‏ ما أجود ما قد حفظت أسماء المسائل‏.‏

قـال المصنـف رحمـه اللّـه‏:‏ وكـان أبـو الحسـن ابـن الدامغانـي قصـر أيضًا في حق أبي الوفاء ابن عقيل فكتـب ابـن عقيـل إليـه مـا قرأتـه بخطـه‏:‏ مكاتبـة سنح بها الخاطر لتوصل إلى أبي الحسن الدامغاني قاضي القضاة يتضمن تنبيهًا له على خلال قد سولت له نفسه أستعمالهـا فهـدت مـن مجـد منصبـه ما لا يتلافاه على طول الوقت في مستقبل عمره لما خمره في نفوس العقلاء من ضعف رأيـه وسـوء خلقـه الـذي لـم يوفـق لعلاجه وكان مستعملًا نعمة الله تعالى في مداواة نقائصه ومن عذيـري ممـن نشـأ فـي ظـل والـد مشفـق عليـه قـد حلـب الدهـر شطريـه وأتلـف فـي طلـب العلم أطيبيه أجمع أهل عصره على كمال عقله كما اجتمع العلماء على غزارة علمه اتفق تقدمه فى نصبه القضاء بالدولة التركمانية والتركية المعظمة لمذهبه وفي عصره من هو أفضل منـه بفنـون مـن الفضل كأبي الطيب الطبـري وأخلـق بالرياسـة كالمـاوردي وأبـي إسحـاق الفيـروز أبـاذي وابـن الصباغ فقدمه الزمان على أمثاله ومن يربى عليه في الفضل والأصل فكان أشكر الناس لنعمة اللهّ فاصطنع من دونه من العلماء وأكرم من فوقه من الفقهاء حتى أراه اللّه في نفسه فوق ما تمناه من ربه وغشاه من السعادة ما لم يخطر بباله حيث رأى أبا الطيب الطبري نظير أستاده الصيمـري بيـن يديـه شاهـدًا ولـه فـي مواكب الديوان مانعًا وتعجرف عليه أبو محمد التميمي فكان يتلافاه بجهده ويأبى إلا إكرامه ويغشاه في تهنئة وتعزية حتى عرض عليه القائم الوزارة فأبى تعديه رتبة القضاء فلما ولى ولده سلك طريقة عجيبة خرج بها عن سمت أبيه فقدم أولاد السوقة وحرم أولاد العلماء حقوقهم وقبل شهـادة أربـاب المهـن وأنتصـب قائمـًا للفسـاق الذيـن شهد بفسقهم لباسهم الحرير والذهب ومنع أن يحكم إلا برأي أبىِ حنيفة وأبي يوسف ومحمد وصـاح فـي مجلسـه بأعلـى صوتـه انـه لـم يبـق فـي الـأرض مجتهـد وهولا يعلم ما تحت هذا الكلام من الفساد وهو إخراج عن الاجماع الذي هو آكد أدلة الشرع وليس لنا دليل معصوم سواه جعله اللـهّ فـي هـذه الشريعـة خلـف النبـوة حيـث كـان نبيها خاتم الانبياء لا يخلفه نبي فجعل اجتماع أمته بدلًا من نبوة بعد نبوة وقد علم أن المقدم عليه نقيب النقباء تقدم مميز وترك النظر صفحًا وتعاطـى أن لا يخاطـب أحـدًا بمـا يقتضيـه حاله من شيوخه أو علم أو نسب الاباء فعاد ممقوتًا إلى القلوب وأهمله من لا حاجة إليه له أصلحه الله لنفسه فما أغنانا عنه ‏"‏‏.‏

وكتـب ابن عقيل يوبخه أيضًا على تقصير في حقه من عذيري ممن خص بولاية الأحكام وقضاء القضاة والحكم في جميع بلاد الإسلام فكان أحق الناس بالإنصاف والإنصاف لا يختص بأحكام الشرع بل حقوق الناس التي توجبها قوانين السياسة وآداب الرياسة مما يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه ويجب أن يكون هو المعيار لمقادير الناس لا سيما أهل العلم الذي هو صاحـب منصبهـم ونـراه علـى استمـرار عادتـه يعظـم الأعاجـم الواردين من الخراسانية تعظيمًا باللفظ وبالنهوض لهم وينفخ فيهم بالمدح حال حضورهم ثقة بالسماع والحكاية عنهم وبطل الثناء بعد خروجهم فيحشمهم ذلك فىِ نفوس مـن لا يعرفهـم ويتقاعد عند علماء بلده ومشيخة دار السلام الذين قد انكشفت له علومهم على طول الزمان

ويقصر بأولاد الموتى منهم مع معرفته بمقادير أسلافهم والناس يتلمحون أفعاله وأكثر من يخصهم بالتعظيـم لا يتعـدون هـذه المسائل الطبوليات ليس عندهم من الروايات والفروعيات خبر مفلوسون من أصول الفقه والدين لا يعتمدون إلا على الألقاب الفارغة وإذا لم يسلك إعطاء كل ذي حـق حقه لم يطعن ذلك في المحروم بل في الحارم أما من جهة قصور العلم بالموازنة أو من طريـن اعتمـاد الحرمـان لأربـاب الحقـوق وذاك البخـس البحـت والظلـم الصـرف وذلك يعرض بأسباب التهمة في التعديل فيما سوى هذا القبيل ولا وجه لقول متمكن من منصبه‏:‏ لا أبالي فقـد بالـى مـن هـو أكبـر منصبـًا فقـال عليـه السلـام‏:‏ ‏"‏ لـولا أن يقـال أن محمدًا نقض الكعبة لأعدتها إلى قواعـد ابراهيم ‏"‏ فتوقى أن يقول الذين قتلهم وكسر أصنامهم وهذا عمر يقول‏:‏ ‏"‏ لولا أن يقال إن عمـر زاد فـي كتـاب اللـه لكتبـت آيـة الرجـم في حاشية المصحف ‏"‏‏.‏

ومن فقهه قال‏:‏ في حاشية المصحـف لأن وضع الأي كأصل الأي لا يجوز لأحد أن يضع آية في سورة من غير قول رسول اللـة صلـى اللـه عليـه وسلـم بالوحـي ضعوهـا علـى رأس كـذا فأنبـأ بقوله في حاشية المصحف على هذا الفقه الدقيق فان قال‏:‏ لا أبالي بمن قال مـن علمـاء العـراق كـان العتـب متضاعفـًا فيقـال‏:‏ قـد ظهـر مـن إعظامك الغرباء زيادة على محلهم ومقدارهم طلبًا لانتشار اسمك بالمدحة وعلماء العراق هم توفـي أبـو الحسـن الدامغانـي ليلة الأحد رابع عشر محرم عن ثلاث وستين سنة وستة أشهر ولي منها قضاء القضاة عشرين سنة وخمسة أشهر وأيامًا وصلي عليه وراء مقبرة الشونيزية تقدم فـي الصلـاة عليـه ابنـه أبـو عبـد اللـهّ محمـد وحضر النقيبان والأكابر ودفن في داره بنهر القلائين في الموضع الذي دفن فيه ابوه ثم نقل أبوه إلى مشهد أبي حنيفة‏.‏

علي بن عقيل بن محمد بن عقيل أبو الوفاء الفقيه فريـد دهـره وءامـام عصـره‏.‏

قـال شيخنا أبو الفضل ابن ناصر‏:‏ سألته عن مولده فقال‏:‏ ولدت في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وكذا رأيته أنا بخطه وكان حسن الصورة ظاهر المحاسن حفظ القرآن وقرأ القراآت على أبي الفتح بن شيطا وغيره وكان يقول‏:‏ شيخي في القراءة ابن شيطا وفي الأدب والنحو أبو القاسم بن برهان وفي الزهد أبو بكر الدينوري وأبو منصور بن زيدان أحلى من رأيت وأعذبهـم كلامـًا فـي الزهـد وابـن الشـرازي ومـن النسـاء الحرانيـة وبنـت الجنيد وبنت الغراد المنقطعة إلى قعر بيتها لم تصعد سطحًا قط ولها كلام في الـورع وسيـد زهـاد عصـره وعين الوقت أبو الوفاء القزويني ومن مشايخي في آداب التصوف أبو منصور ابن صاحب الزيادة العطـار شيـخ زاهـد مؤثـر بمـا يفتـح لـه فتخلـق بأخلـاق مقتـدي الصوفيـة ومـن مشايخي في الحديث التوزي وأبو بكر بن بشران والعشاري والجوهري وغيرهم ومن مشايخي في الشعر والترسل ابن شبل وابن الفضل‏.‏

وفي الفرائض أبو الفضل الهمذاني وفي الوعظ أبو طاهر ابن العلاف صاحب ابن سمعون وفي الأصول أبو الوليد وأبو القاسم ابن البيان وفىِ الفقه أبو يعلى ابن الفراء المملوء عقلًا وزهدًا وورعًا قرأت عليه حين عبرت مـن بـاب الطـاق لنهـب الغـز لهـا سنـة أربـع وأربعيـن ولـم أخـل بمجالستـه وخلواتـه التـي تتسع لحضوري والمشـي معـه ماشيـًا وفـي ركابـه إلـى أن توفـي وحظيـت من قربه لما لم يحظ به أحد من أصحابه مـع حداثـة سنـي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إمام الدنيا وزاهدها وفارس المناظرة وواحدهـا وكـان يعلمنـي المناظـرة وانتفعـت بمصنفاتـه وأبـو نصـر ابـن الصبـاغ وأبو عبد اللّه الدامغاني حضرت مجلس درسه ونظره من سنة خمسين إلى أن توفي وقاضي القضاة الشامي انتفعت به غاية النفع وأبو الفضل الهمذاني وأكبرهم سنًا وأكثرهم فضلًا أبو الطيب الطبري حظيت برؤيته ومشيت في ركابه وكانت صحبتي له حين انقطاعه عن التدريس والمناظرة فحظيت بالجمال والبركة ومن مشايخي أبو محمد التميمي كان حسنة العالم وماشطة بغداد ومنهم أبو بكر ذلك يحرمني علمًا نافعًا وأقبل علي أبو منصور بن يوسف فحظيت منه بأكثر من حظوة وقدمني في الفتاوى مع حضور من هو أسن مني وأجلسني البرامكة بجامع المنصور لما مات شيخي سنة ثمان وخمسين وقام بكل مؤنتي وتجملي فقمت من الحلقة اتتبع حلق العلماء لتلقط الفوائد فأما أهل بيتي فإن بيت أبي فكلهم أرباب‏.‏

أقلام وكتابة وشعر وآداب وكان جدي محمد ابن عقيل كاتب حضرة بهاء الدولة وهو المنشىء لرسالة عزل الطائع وتولية القادر ووالدي أنظر الناس وأحسنهم جدلًا وعلمًا وبيت أمي بيت الزهـري صاحـب الكلـام والمدرس على مذهب أبي حنيفة وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة مع عفة وتقى ولا أزاحم فقيهـًا فـي حلقـة ولا تطلب نفسي رتبة من رتب أهل العلم القاطعة لي عن الفائدة وتقلبت على الـدول فمـا أخذتنـي دولـة السلطـان ولا عاقـه عمـا اعتقـد أنه الحق فأوذيت من أصحابي حتى طل الدم وأوذيت من دولة النظام بالطلب والحبس فيا من خسرت الكل لأجله لا تخيب ظني فيك وعصمنـي اللّـه مـن عنفـوان الشبيبـة بأنـواع مـن العصمة وقصر محبتي على العلم وأهله فما خالطت ملعابًا ولاعاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم‏.‏

وافتى ابن عقيل ودرس وناظر الفحول واستفتي في الديوان في زمن القائم في زمرة الكبار وجمع علوم الأصول والفروع وصنف فيها الكتب الكبار وكان دائم الاشتغال بالعلم حتى إني

رأيت بخطه‏:‏ أني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عـن مذاكـرة ومناظرة وبصري عن مطالعة أعمل فكري في حال رحتي وأنا مستطرح فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين‏.‏

وكان له الخاطر العاطر والبحث عن الغوامض والدقائق وجعل كتابه المسمى بالفنون مناظرًا لخواطره وواقعاته ومن تأمل واقعاته فيه عرف غور الرجل وتكلم على المنبر بلسان الوعظ مـدة فلما كانت سنة خمس وسبعين وأربعمائة جرت فيها فتن بين‏.‏

الحنابلة والأشاعرة فترك الوعظ واقتصر على التدريس ومتعه اللّه بسمعه وبصره وجميع جوارحه قـال المصنـف‏:‏ وقـرأت بخطـه قـال‏:‏ بلغت لاثنتي عشرة سنة وأنا في سنة الثمانين وما أرى نقصًا فـي الخاطـر والفكـر والحفـظ وحلـة النظـر وقـوة البصـر لرؤيـة الأهلـة الخفيـة إلا أن القـوة بالاضافـة إلـى قـوة الشبيبة والكهولة ضعيفة‏.‏

وكان ابن عقيل قوي الدين حافظا للحدود ومات ولدان له فظهر منه من الصبر ما يتعجب منـه وكـان كريمـًا ينفـق مايجد فلم يخلف سوى كتبه وثياب بدنه فكانت بمقدار كفنه وقضاء دينه وكان إذ طال عمره يفقد القرناء والاخوان‏.‏

قال المصنف رحمه اللّه‏:‏ فقرأت بخطه‏:‏ رأينـا فـي أوائـل أعمارنـا أناسـًا طـاب العيـش معهـم كالدينـوري والقزوينـي وذكر مـن قد سبق إسمه في حياتة ورأيت كبار الفقهاء كأبي الطيب وابن الصباغ وأبي اسحاق ورأيت إسماعيل والد المزكي تصدق بسبعه وعشرين ألف دينار ورأيت من بياض التجار كابن يوسف وابن جردة وغيرهما والنظام الذي سيرته بهرت العقول وقـد دخلـت فـي عشـر التسعيـن وفقـدت مـن رأيـت مـن السادات ولم يبق إلا أقوام كأنهم المسوخ صورًا فحمـدت ربـي إذ لـم يخرجني من الدار الجامعة لأنوار المسار بل أخرجني ولم يبق مرغوب فيه فكفاني محنة التأسف على ما يفوت لأن التخلف مع غير الأمثال عذاب وانما هون فقداني للسـادات نظـري إلـى الإعـادة بعيـن اليقيـن وثقتي إلى وعد المبدىء لهم فلكأني أسمع داعي البعث وقـد دعـا كمـا‏.‏

سمعـت ناعيهـم وقـد نعـى حاشـى المبدىء لهم على تلك الأشكال والعلوم أن يقنع لهم في الوجود بتلك الأيام اليسيرة المشوبة بأنواع الغصص وهو المالك لا واللّه لا أقنع لهم إلا بضيافة تجمعهم على مائدة تليق بكرمه نعيم بلا ثبور وبقـاء بـلا مـوت واجتمـاع بـلا فرقـة ولذات بغير نغصة‏.‏

وحدثني بعض الأشياخ أنه لما احتضر ابن عقيل بكى النساء فقال‏:‏ قد وقفت خمسين سنة فدعونـي أتهنـأ بلقائـه توفـي رضـي اللّـه عنـه بكرة الجمعة ثاني عشرجمادى الأولى من هذه السنة وصلي عليه في جامع القصر والمنصور وكان الجمع يفوق الإحصاء‏.‏

قال شيخنا ابن ناصر‏:‏ حزرتهـم بثلثمائـة ألـف ودفن في دكة الامام أحمد وقبره ظاهر فما كان في مذهبنا أحد مثله وقال شيخنا أبو الحسن الزعفراني‏:‏ دفن في الدكة بعد الخادم مخلص‏.‏

أحمد بن أحمد بن الحسين أبوعبدالله اليزدي ولد سنة خمس وخمسين وسافر في طلب القراآت البلاد البائنة وعبر ما وراء النهر وكان إذا قـرأ بكـى النـاس لحسن صوته وحدث بشيء يسير عن أبي إسحاق الشيرازي وتوفي في هذه السنة‏.‏

محمد بن طرخان بن بلتكين أبو بكر التركي سمع الكثير وكتـب وكـان لـه معرفـة بالحديـث والـأدب وسمـع الصريفينـي وابـن النقـور وابـن البسري روى عنه أشياخنا ووثقوه توفي في صفرهذه السنة ودفن بالشونيزية‏.‏

محمد بن عبد الباقي أبو عبد الله الدوري ولد سنة أربع وثلاثين وأربعمائة وسمع الجوهري والعشاري وأبا بكر بن بشران وغيرهـم وكان شيخًا صالحًا ثقة خيرًا‏.‏وتوفي في صفر هذه السنة المبارك بن علي بن الحسين أبو سعد المخرمي ولـد فـي رجب سنة ست وأربعين وأربعمائة وسمع الحديث من أبي الحسين ابن المهتدي وابن المسلمة وجابر بن ياسين والصريفيني وأبي يعلى ابن الفراء وسمع منه شيئًا من الفقه ثم تفقه علـى صاحبه أبي جعفر الشريف ثم على يعقوب البرزبيني وأفتى ودرس وجمع كتبًا كثيرة ولم يسبـق إلـى جمـع مثلهـا وشهـد عند أبي الحسن الدامغاني في سنة تسع وثمانين وناب في القضاء عن السيبىِ والهروي وكان حسن السيرة جميل الطريقة شديد الأقضية وبنى مدرسة بباب الـأزج ثـم عـزل عـن القضـاء فـي سنـة إحـدى عشـرة ووكـل بـه فـي الديـوان علـى حسـاب وقـوف التـرب فأدى مالًا ثم توفـي فـي ثانـي عشـر محـرم هـذه السنـة ودفـن إلـى جانـب أبـي بكـر الخلـال عنـد رجلـي الإمام أحمد بن حنبل‏.‏

 ثم دخلت أربع عشرة وخمسمائة

فمن الحوادث فيها أنـه فـي المحـرم خطـب للسلطانيـن أبـي الحـارث سنجر بن ملكشاه وابن أخيه أبي القاسم محمود بن محمد جميعًا في موضع واحد وسمي كل واحد منهما شاهنشاه وفـي أول صفـر‏:‏ رتـب أبـو الفتـوح حمـزة بـن علـي بـن طلحـة وكيـلًا ناظرًا في المخزن وكان قبل ذلك ينظر في حجبة الباب فبقي في الحجبة سنة وشهرًا وأيامًا ثم نقل إلى المخزن وتمرد العيارون في هذا الأوان وأخذوا زواريق منحـدرة مـن الموصـل ومصعـدة إلـى غيرهـا وفتكوا بأهل السواد فتكات متواليات وهجموا على العتابيين فحفظوا أبواب المحلة ودخلوا إلى دور عيونها فأخذوا ما فيها وما في موازين المتعيشين فتقدم الخليفة إلى إخراج أتراك دارية لقتالهم فخرجوا وحاصروهم فـي الأجمـة خمسـة عشـر يومـًا ثـم إن العياريـن نزلـوا فـي سفـن وانحدروا إلى شارع دار الرقيق دخلوا المحلة وأقبلوا منها إلى الصحارى وقصد أعيانهم دار الوزير ابن صدقة بباب العامة في ربيع الأول وأظهروا التوبة وخرج فريق منهم لقطع الطريق فقتلهم أهل السواد بأوانا وبعثوا رؤسهم إلى بغداد وفي ربيع الأول‏:‏ ورد القاضي أبو جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي قاضي الكوفة والبلاد الميزيدية وكان دبيس الملقب بسيف الدولة نفذ به إلى الأمير إيلغازي ابن أرتق فخطب منه ووقعـت الخصومـة بيـن السلطـان محمـود وأخيه مسعود ابني محمد وكان مسعود هو العاصي عليه فلتطفه محمود فلم يصلح وقامت الحروب في ربيع الأول فانحاز البرسقي إلى محمود وانهـزم مسعـود وعسكـره واستَولـى علـى أموالهـم وقصد مسعود جبلًا بينه وبين موضع الوقعة اثنا عشر فرسخًا فأخفى نفسه وأنفذ بركابي إلى المعسكر يطلب الأمان فحضر بين يدي السلطان فقال له‏:‏ يا سلطان العالم إن من السعادة أن أخـاك لـم يجـد مهربـًا عنـك وقـد نفـذ يطلـب الأمـان وعاطفتك أجل متوسل به إليك فقال له‏:‏ وأيان هو قال‏:‏ في مكان كذا فقال السلطان‏:‏ ما نويت غير هذا وهل إلا العفو والإحسان‏.‏

واستدعى بالبرسقي وقال له‏:‏ تمضي إلـى أخـي وتؤمنه وتستدعيه وأتفق بعد انفصال الركابي أنه ظفر يونس بن داود البلخي بمسعود فاحتال عليه وقيل له‏:‏ إن حملتـه إلـى أخيـه فربمـا أعطـاك ألـف دينـار أو أقـل وإن حملته إلى دبيس أو إلى الموصل وصلت إلى ما شئت فعول على ذلك فجاء البرسقي فلم يره فسار خلفه فلحقه على ثلاثين فرسخًا فأخذه وعرفه أمان أخيه له وأعاده إلى العسكر وخرج الأعيان فاسقبلوه ونزل عند أمه ثم جلـس السلطـان محمود فدخل إليه ففبل الأرض بين يديه فضمه إليه وقبل بين عينيه وبكى كل واحد منهما فكان هذا من محاسن أفعال محمود ولما بلغ عصيان مسعود‏.‏

إلى سيف الدولة دبيس أخذفي أذية بغداد وحبس مال السلطان وورد أهل نهر عيسى ونهر الملك مجفلين إلى بغداد بأهاليهم ومواشيهم فزعًا من سيف الدولة لأنـه بـدأ بالنهـب فـي أطرافهـم وعبـر عنـان صاحـب جيشـه فبدأ بالمدائن فعسكر بها وقصد يعقوبا وحاصرها ثم أخذها عنوة وسبيت الذراري وافترشت النساء‏.‏

وكان سيف الدولة يعجبه اختلاف السلاطين ويعتقـد أنـه مـا دام الخلـاف قائمـًا بينهـم فأمـره منتظم كما استقام أمر والده صدقة عند اختلاف السلاطين فلما بلغه كسر مسعود وخاف مجيء محمود أمر باحراق الأتبان والغلات وأنفذ الخليفة إليه نقيب الطالبيين أبا الحسن علي بن المعمر فحذره وأنذره فلم ينفع ذلك فيه وبعث إليه السلطان بالتسكين وأنـه قـد أعفـاه مـن وطء بساطه فلم يهتز لذلك وتوجه نحو بغداد في جمادى الآخرة فضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة من الجانب الغربي وبات أهل بغداد على وجل شديد وتوفيت والدة نقيب الطالبين فقعد في الكرخ للعزاء بها فمضى إليه سيف الدولة فنثر عليه أهل الكرخ وتهدد دار الخلافة و قال‏:‏ إنكم استدعيتم السلطان فان أنتم صرفتموه وإلا فعلت وفعلت فنفذ إليه أنه لا يمكن رد السلطان بل نسعى في الصلح فانصرف دبيس فسمع أصوات أهل باب الأزج يسبونه فعاد وتقدم بالقبض عليهم فأخذ جماعة منهم وضربوا بباب النوبي ثم انحدر ثم دخل السلطان محمود في رجب وتلقاه الوزير أبو علي بن صدقة وخرج إليه أهل باب الأزج فنثروا عليه الدنانير وفوضت شحنكية بغداد إلى برنقش الزكوي‏.‏

وفـي شعبـان هـذه السنـة بعـث دبيـس زوجتـه المسماة شرف خاتون بنت عميد الدولة ابن جهير إلـى السلطـان‏.‏

وفـي صحبتهـا عشـرون ألـف دينـار وثلاثـة عشررأسـًا مـن الخيـل فمـا وقـع الرضا عنه وطولب بأكثر من هذا فأصر على اللجاج ولم يبذل شيئًا آخر فمضى السلطان إلى ناحيته فبعـث يطلـب الأمان مغالطة لينهزم فلما بعث إليه خاتم الأمان دخل البرية فدخل السلطان الحلة فبات بها ليلة‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ تقدم المسترشد بإراقة الخمور التي بسوق السلطان ونقض بيتوتَهم‏.‏

وفيهـا‏:‏ رد وزيـر السلطـان السميرمـي المكـوس والضرائـب وكـان السلطـان محمـد قـد اسقطها في سنة احدى وخمسمائة‏.‏

ودخل السلطان محمـود فتلقـاه الوزيـر والموكـب وطالـب بالافراج عن الأمير أبي الحسن فبذل له ثلثمائة ألف دينار ليسكت عن هذا‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن عبد الوهاب بن هبة اللّه بن عبداللّه ابن السيبي أبو البركات سمع أبا الحسين بن النقور وأبا محمد الصريفيني وأبا القاسم ابن البسري وغيرهم‏.‏

وحدث عنهم وروى عنه الخليفة المقتفي وكـان يعلـم أولـاد المستظهـر فأنـس بالمسترشـد فلمـا صـارت الخلافـة إليـه وقبـض علـى ابـن الخـرزي رد إلـى هـذا الرجـل النظـر فـي المخـزن فولـي ذلك سنة وثمانية أشهر وكان كثير الصدقة متعهدًا لأهل العلم وخلف مالًا حزر بمائة ألف دينار وأوصى بثلثي ماله ووقف وقوفًا على مكة والمدينة ومات عن ست وخمسين سنة وثلاثة أشهر وصلى عليـه بالمقصـورة فـي جامـع القصـر الوزيـر أبو علي بن صدقة وأرباب الدولة ودفن عند جده أبي الحسن القاضي بباب حرب‏.‏

أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبدون أبو سعد المقرىء سمع أبا محمد التميمي وأبا الفضل بن خيرون وأبا الحسين ابن الطيوري وكان ستيرًا صالحًا يصلي في المسجد المعروف بالوراقين وتوفي في ربيع الآخر ودفن بباب حرب أحمد بن محمد بن علي البخاري أبو المعالي ولـد سنـة ثلاثيـن وسمـع أبـا طالـب بـن غيلـان والجوهـري وغيرهمـا وسماعـه صحيـح وكان أحمد بن الخطاب ابن صوفان أبو بكر الحنبلي سمع أبا بكر الخياط وأبا علي ابن البناء وقـرأ عليـه القـراآت وكـان صالحـًا مستـورًا يقـرىء القرآن ويؤم الناس وتوفي في ذي القعدة ودفن بمقبرة باب حرب‏.‏

أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن الضبي المحاملي العطار كان يبيع العطر وكان مستورًا سمع أبا الحسين ابن الابنوسي وأبا الحسين الملطي وأبا محمد الجوهري روى عنه أبو المعمر الأنصاري وتوفي في ذي القعدة مـن هـذه السنـة ودفـن ببـاب الأزج‏.‏

سعد اللّه بن علي بن الحسين بن أيوب أبو محمد بن أبي الحسين روى عن القاضي أبي يعلى وأبي الحسين ابن المهتدي وأبي جعفر ابن المسلمة وابن النقور في آخرين وكان ستيرًا صالحًا صحيح السماع حسن الطريقة توفي في رجب ودفن بالشونيزي‏.‏

عبيد الله بن نصر بن السري المؤدب والد شيخنا أبي الحسن سمعِ آبا محمد الصريفيني وابن المهتدي وابن المسلمـة وابـن المأمون وخلقًا كثيراَ وكان من حفاظ القـرآن وأهـل الثقـة والصيانـة والصلـاح وجـاوز الثمانيـن وتوفـي يـوم الإثنيـن عاشرصفر ودفن بمقبرة باب حرب‏.‏

عبد الرحمن بن صمد بن شاتيل أبو البركات الدباس سمع القاضي أبا يعلى وأبا بكر الخياط وأبا جعفـر ابـن المسلمـة وابـن المهتـدي وابـن النقـور والصريفيني وغيرهم‏.‏

وكان مستورًا من أهل القرآن والحديث وسماعه صحيح وتوفي في ليلة الإثنين سابع ذي القعدة ودفن بمقبرة باب حرب‏.‏

عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن بن عمد الملك بن طلحة أبو نصر ابن القشيري قرأَ على أبيه فلما توفي سع من أبي المعالي الجويني وغيرهما وسمع الحديث من جماعة وكان لـه الخاطر الحسن والشعر المليح وورد إلى بغداد ونصر مذهب الأشعري وتعصب له أبو سعد الصوفي عصبية زائدة في الحـد إلـى أن وقعـت الفتنـة بينـه وبيـن الحنابلـة وآل الأمـر إلـى أن اجتمعـوا فـي الديـوان فأظهـروا الصلح مع الشريف أبي جعفر وحبس الشريف أبو جعفر في دار الخلافة ونفذ إلى نظام الملك وسئل أن يتقدم إلى ابن القشيري بالخروج من بغداد لإطفاء الفتنة فأمره لذلك فلما وصل إليه أكرمه وأمره بالرجوع إلى وطنه‏.‏

قـال ابـن عقيـل‏:‏ كـان النظـام قـد نفـذ ابـن القشيري إلى بغداد فتلقاه الحنابلة بالسب وكان له عرض فأنف من هذا فأخذه النظام إليه ونفذ لهم البكري وكان ممن لا خلاق له وأخذ يسب الحنابلة ويستخـف بهـم‏.‏

توفـي أبـو نصـر ابـن القشيـري فـي جمـادى الآخـر ة مـن هـذه السنـة بنيسابـور وأقيـم لـه العزاء في رباط شيخ الشيوخ‏.‏

عبد العزيز بن علي بن عمر أبو حامد الدينوري كان أحد أرباب الأموال الكثيرة وعرف بفعل الخير والإحسان إلى الفقراء وكانت له حشمة وتقدم عند الخليفة وجاه عند التجار سمع أبا محمد المجوهرى روى عنه أبو المعمر الأنصاري وتوفي في هذه السنة بهمذان‏.‏

محمد بن محمد بن علي بن الفضاء أبو الفتح الخزيمي

دخل بغداد سنة تسع وخمسمائة فحدث عن أبي القاسم القشيري وجماعة من نظرائه ووعظ وكان مليح الإيراد حلو المنطق ورأيت من مجالسه أشياء قد علقت عنه فيها كلمات ولكـن أكثرها ليس بشيء فيها أحاديث موضوعة وهذيانات فارغة يطول ذكرها‏.‏

فكان مما قال‏:‏ إنه روى فـي الحديـث المعـروف أن رسـول اللّـه صلـى اللـه عليـه وسلـم تزوج امرأة فرأى بكشحها بياضًا فقـال‏:‏ الحقـي بأهلـك فـزاد فيـه‏:‏ فهبط جبريل وقال‏:‏ العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول لك بنقطة واحدة من العيب ترد عقد النكاح ونحن بعيوب كثير لا نفسخ عقد الإيمان مع أمتك لك نسوة تمسكهن لإجلك أمسك هذه لأجلي‏.‏

قـال المصنـف‏:‏ وهـذا كـذب فاحـش علـى اللـهّ تعالى وعلى جبريل فإنه لم يوح إليه شيء من هذا ولا عوتب في فراقها فالعجب من نفاق مثل هذا الكاذب في بغداد ولكن على السفساف والجهال‏.‏وكذلك مجالس أبـي الفتـوح الغزالـي ومجالـس ابـن العبـادي فيهـا العجائـب والمنقولـات المتخرصة والمعاني التي لا توافق الشريعة وهذه المحنة تعم أكثر القصاص بل كلهم لبعدهم عن معرفة الصحيح ثم لاختيارهم ما ينفق على العوام كيف ما اتفق‏.‏

أحتضر الخزيمي بالري فأدركه حين نزعه قلق شديد قيل له‏:‏ ما هذا الانزعاج العظيم فقال‏:‏ الورود على اللّه شديد فلما توفي دفن بالري عند قبر إبراهيم الخواص‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة

فمن الحوادث فيها أن السلطان محمودًا خرج من بغداد متصيدًا فورد الخبر إليه بوفاة جدتـه أم أبيـه فعـاد عـن متصيده وجلس للعزاء بها في حجرة من دار المملكة هو وخواصه وجلس وزيره أبو طالب علـي بـن أحمـد وكافـة أرباب الدولة وأعيان العسكر في صحن الدار وحضر عندهم الوزير أبو علي بن صدقة والموكب في الأيام الثلاثة بثياب العزاء ونصب كرسي للوعظ فتكلم عليه أبو سعـد إسماعيل بـن أحمـد وأبـو الفتـوح أحمـد بـن محمـد الغزالي إلى الطوسيان وجاء ابن صدقة في اليـوم الرابـع ومعـه الموكـب لإقامة السلطان من العزاء وإفاضة الخلع عليه ففعل ذلك وعزم السلطان محمـود على الخروج من بغداد فقيل له‏:‏ من دار الخلافة ينبغي أن تقيم في هذا الصيف عندنا وكـان ذلك من خوف سيف الدولة فقال‏:‏ ان معي هذه العساكر فقيل له‏:‏ إنا لا نترك غاية فيما يعود إلى الإقامة واستقر أن يزيحوا العلة في نفقة أربعة أشهر ففرغت خزائن الوكلاء واستقر أن يؤخـذ مـن دور الحريـم ودكاكينـه ومساكنـه أجـرة شهـر فكتبـت بذلـك الجرائد ورتب لذلك الكتاب والمشرف والجهبذ وجبي من ذلك مبلغ وافر في مدة ثلاثة أيام فكثـرت الشكايـات

وفـي صفـر‏:‏ وجد مقتولًا بالمختارة فجاء أصحاب الشحنة فكبسوا المحلة وطلبوا الحامي فهرب فجاء نائب الشحنة إلى باب العامة بالعدد الكثيرة والسلاح الظاهر وتوكل بدار ابن صدقة الوزير ووكل به عشرة وبدار ابن طلحة صاحب المخزن وبدار حاجب الباب ابن الصاحب وقال‏:‏ أنا أطالبكم بجناية المقتول‏.‏

وفي ربيع الآخر‏:‏ أعيدت المطالبة بما ينسب إلى حق البيعة وتزايد الأمر في ذلك وكثر الأذى‏.‏

وفي يوم الجمعة ثامن ربيع الأول‏:‏ استدعي علي بن طراد النقيب بحاجب من الديوان فلما حضـر قـرأ عليـه الوزيـر ابـن صدقـة توقيعـًا مضمونه‏:‏ قد استغني عن خدمتك فمضى وأغلق بابه وكانت ابنته متصلة بالأمير أبي عبد اللهّ بن المستظهر وهو المقتفي فكان الوزير ابن صدقة يتقرب منه ولا يباسطه في دار الخلافة فلما كان يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول انحدر الوزير أبوطالب السمري متفرجًا فلما حاذى باب الازج عبر إليه علي بن طراد وذكر له الحال فوعده ثم خاطبه في حقه فرضي عنه وأعيد إلى النقابة في ثاني ربيع الآخر‏.‏

وفي عشية يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول أنقض كوكب وصارت منه أعمدة عند انقضاضه وسمع عند ذلك صوت هزة عظيمة كالزلزلة‏.‏

وفـي ليلـة النصـف مـن ربيـع الـأول خلـع فـي دار السلطـان على القاضي‏.‏

أبي سعد الهروي وركب إلى داره بقراح ابن رزين ومعه كافة الأمراء ونفذ أمره في القضاء بجميع الممالك سوى العراق مراعـاة لقاضـي القضـاة أبـي القاسـم الزينبـي لمـا يعلـم من ميل المسترشد إليه وخرج الهروي في هذا الشهر إلى سنجـر برسالـة مـن المسترشـد ومـن السلطـان محمـود وأصحـب تشريفـات وحملانـًا وصار في تجمل كثير‏.‏

وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى‏:‏ صرف كاتب ديوان الزمام عنه وهو شمس الدولة أبو الحسن علي بن هبة اللّه ابن الزوال ووقع بذلك بالنظر في ديوان الزمام مضافًا إلى ديوان الانشاء‏.‏وفي عتمة يوم الأحد رابع جمادى الآخرة‏:‏ وقع الحريق في دار المملكة فاحترقت الدار التي استجدها بهروز الخادم وكان السبب أن جارية كانت تختصب بالحناء في الليل وقد أسندت الشمعة إلى خيش فعلقت به النار فما تجاسرت أن تنطـق فاحترقـت الـدار وكـان السلطـان نائمـًا علـى السطـح فنـزل وهـرب إلـى سفينة ووقف وسط دجلة وقيل‏:‏ إنه مضى إلى دار برنقش الزكوي وذهب من الفرش والآلات والأواني واللؤلؤ والجوهر ما يزيد على قيمة ألف ألف دينار وغسل غسالون التراب فظفروا بالذهب والحلى سبائك ولم يسلم من الدار شيء ولا خشبة واحدة وعاد السلطان إلى دار المملكة وتقدم ببناء دار له على المسناة المستجـدة وأن تعمـل آزاجـًا استظهـارًا وأعـرض عـن الـدار التـي احترقـت وقـال‏:‏ إن أبي لم يتمتع بها ولا امتد بقاؤه بعد انتقاله إليها وقد ذهبت أموالنا فيها فلا أريد عمارتها ومضى الوزير ابن صدقة إليه مهنئًا بسلامة نفسه‏.‏

ثم وصل الخبر من أصفهان بعد يومين بحريق جامع أصفهان وأن ذلك كان في الليلة السابعة والعشريـن مـن ربيع الآخر قبل حريق الدار السلطانية بثمانية أيام وهذا جامع كبير أنفقت الأموال فـي العمارة له وكان فيه من المصاحف الثمينة نحو خمسمائة مصحف من جملتها مصحف ذكر أنه بخط أبيّ بن كعب واحترقت فيه أخشاب اعترم عليها زائد على ألف ألف دينار وورد من أصفهان بعد ذلك القاضي أبو القاسم إسماعيل بن أبي العلاء صاعد بن محمد البخاري ويعرف بابن الدانشمنذه مدرس الحنفيين وجلس في دار السلطان للوعظ في رمضان وحضر السلطان وكافة أوليائه ثم اجتمع الشافعيون في دار الخلافة شاكين من هذا الوعظ وذكروا أنه تسمح بذكر أصحابهم وغض منهم‏.‏

وقتـل العيـارون مسلحيـًا بالمختـارة فشكـا الشحنـة سعـد الدولـة إلـى الديـوان مـا يتم منهم واستـأذن فـي أخـذ المتشبهيـن فأذن له فأخذ من كان مستورًا وغير مستور فغلقت المساجد مع صلاة المغرب ولم يصل بها أحد العشاء‏.‏

وتصيد السلطان في شعبان ثم قدم فمضى إليه القاضي الزينبي وابن الأنباري واقبال ونظر

والأماثل فحلف السلطان بمحضر منهم للخليفة على الطاعة والمناصحة ثم أنفذ السلطان في عشية ذلك اليوم هدية إلى الخليفة‏.‏

فلما كان يوم الاثنين رابع عشرين شعبان جلس المسترشد في الدار الشاطئية المجاورة للمثمنة وهـي مـن الـدور البديعـة التـي أنشأهـا المقتـدي وتممها المسترشد فجلس في قبة على سدة وعليه الثوب المصمت الأسود والعمامة الرصافية وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديـه القضيـب وحضر الدار وزيره أبو علي بن صدقة ورتب الأمور وأقام في كل باب حاجبًا بمنطقة ومعه عشرون غلامًا من الدار وانفرد حاجـب المخـزن ابـن طلحـة فـي مكـان ومعـه التشريف وجلس الوزير في كم الحيرتي واستدعى له أرباب المناصب وحضر متقدمو العلماء وأتى وزير السلطان أبو الحسن علي بن أحمد السميرمي والمستوفي وخواص دولتهم ثم وقف الوزير أبو علي بن صدقة عن يسار السدة والوزير‏.‏

أبو طالب عن يمينه ثم أقبل السلطان محمود ويده في يد أخيه مسعود وكان قد نفذ إليه الزبزب مع اقبال أو نظر فلما صعد منه قـدم مركوبـه عنـد المثمنـة فركـب إلـى باب الدركاه ثم مشى من هناك فلما قرب استقبله الوزيران ومـن معهمـا وحجبوه إلى بين يدي الخليفة فلما قاربوا كشفت الستارة لهما ووقف السلطان في الموضـع الذي كان وزيره قائمًا فيه وأخوه مما يليه فخدما ثلاث دفعات ووقفا والوزير ابن صاعد يذكر لـه عـن الخليفـة أنسـه بـه وتقربـه وحسن اعتقاده فيه ثم أمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه فحمل إلى مجنب البهو ومعه أخوه وبرنقش وريحان وتولى إفاضة ذلك عليه صاحب المخزن وإقبال ونظر وفي الساعـة التـي كـان مشتغـلًا فيهـا بلبـس الخلـع كـان الوزيـران قائميـن بيـن يـدي الخليفـة يحضـران الأمـراء أميـرًا أميـرًا فيخـدم ويعـرف خدمته فيقبل الأرض وينصرف ثم عاد السلطان وأخوه فمثلا بيـن يـدي الخليفـة وعلـى محمـود الخلـع السبعـة والطـوق والتـاج والسـواران فخدمـا وأمـر الخليفة بكرسي فجلـس عليـه السلطـان ووعظـه الخليفـة وتـلا عليـه قولـه تعالـى‏:‏ ‏{‏فمـن يعمـل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمـل مثقـال ذرة شـرًا يـره‏}‏ وأمـره بالإحسان إلى الرعية ثم أذن للوزير أبي طالب في تفسير ذلك عليـه ففسـره وأعـاد عنـه أنـه قـال‏:‏ وفقنـي اللـهّ لقبـول أوامـر مولانـا أميـر المؤمنين وارتسامها فالسعادات معها متيسرة‏.‏

وهي بالخيرات مبشرة وسلم الخليفة إلى الوزيرين سيفين وأمرهما أن يقلدا بهما السلطان فلما فعلا قال له‏:‏ اقمع بهما الكفار والملحدين‏.‏

وعقد الخليفة بيده لوائين حملا معه وخدم ثم خرج فقدم إليه في صحن الدار فـرس مـن مراكـب الخليفـة بمركـب حديـد صينـي وقيـد بيـن يديـه أربعـة أفراس بمراكب ذهب وأذن الخليفة بعد ذلك لأرباب الدولة وأهل العلم والأشراف والعدول وعرفه الوزير رجلًا رجلًا منهم والخليفة ملتفت إليه مصغ إلى أدعيتهم معط لكل واحد ما يصلح من النظر إليه ومن خطابه ثم صعد ابن صدقة في اليوم الذي يلي هذا اليوم في الزبزب إلى السلطان فتعرف خبره عن الخليفة وأفاض عليه الملابس التي كانت على الخليفة وقت جلوسه وانحدر الوزير إلى دار الوزير أبي طالب فخلع عليه وأطال مقامه عنده وخلوا في مهمات تجارياها‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ وقعت أمطار عظيمة ودامت واتصلـت بجميـع العـراق وأهلكـت مـا علـى رؤوس النخل وفي الشجر من الأرطاب والأعناب والفواكه وما كان في الصحارى من الغلات فلمـا كـان انتصـاف الليـل من ليلة السبت وهي ليلة الحادي والعشرين من كانون الثاني سقط الثلج ببغداد ودام سقوطه إلى وقت الظهر من الغد فامتلأت به الشوارع والدروب وقام نحو ذراع وعمـل منـه الأحداث صور السباع والفيلة وعم سقوطه من بين تكريت إلى البطيحة ونزل على الحاج بالكوفة‏.‏

وقـد ذكرنـا فـي كتابنـا هـذا أن الثلـج وقـع فـي سنيـن كثيـرة فـي أيـام الرشيـد والمقتـدر والمعتمـد والطائع والمطيـعِ والقادر والقائم وما سمع بمثل هذا الواقع في هذه السنة فإنه بقي خمسة عشر يومًا ما ذاب وهلك شجر الأترج والنارنج والليمون ولم تهلك البقول والخضر ولم يعهد سقوط الثلج بالبصرة إلا في هذه السنة‏.‏

أنبأنـا أبـو عبداللّـه ابـن الحرانـي قال‏:‏ لما نزل الوفر ببغداد في سنة خمس عشرة قال بعض شعراء يا صدور الزمـان ليسـى بوفـر مـا رأينـاه فـي نواحـي العراق إنمـا عم ظلمكم سائر الخل ق فشابت ذوائـب الآفـاق ونفذ من دار الخلافة بالقاضي أبي منصور إبراهيم بن سالم الهيتي نائب الزينبي برسالة من الخليفة ومن السلطان وكتب من الديوان إلى إيلغازي بسلامته من غزاة غزاها ويأمرانه بإبعاد دبيـس وفسـخ النكـاح بينـه وبيـن ابنتـه وقـد كـان لهـا زوِج قبل دبيس سلجوقي وكان قد دخل بها فقبض السلطان عليه واعتقله فورد بغداد شاكيًا من أيلغازي ومحتجًا عليه بأن نكاحه ثابت فروسـل بالهيتي فقال له‏:‏ إن النكاح فاسد فقال ايلغازي‏:‏ إن النكاح الذي فسخه عامي لا ينفذ فسخه فأجاب بجواب أرضاه عاجلًا وحلف على طاعة الخليفة والسلطان‏.‏

وأما سيف الدولة فإنه كاتب الخليفة كتبًا يستميل بها قلبه ويذكرطاعته فروسل في جواب كتابه بمكتوب يسلك معه فيه الملاطفة فدخل الحلة وأخرج أهلها فازدحموا على المعابر فغرق منهم نحو خمسمائة ودخل أخوه النيـل وأخـرج شحنـة السلطـان منهـا وكـان السلطـان ببغـداد فحثـه الخليفـة علـى دبيس فندب السلطان الأمراء لقصد دبيس فلما قصدوه أحرق من دار أبيه وخرج من الحلة إلى النيل فأخذ منها من الميرة ودخل الأزير وهو نهر سنداد الذي يقول فيه الأسود بن يعفر‏.‏

فلما وصل العسكر الحلة وجدوها فارغة فقصدوا الأزير فحاصره فراسله برنقش أن يحذر مخالفة السلطان وينفذ أخاه منصورًا إلى الخدمة فأجاب وخرج دبيس وعسكره ووقف بإزاء عسكـر برنقـش فتحالفا وتعاهدا في حق منصور ونفذ به إليه وعاد العسكر إلى بغداد ومعهم منصور فحمله برنقش إلى خدمة السلطان فأكرمه وبعثه مع برنقش إلى خدمة الخليفة‏.‏

ودخلت العرب من نبهان فيد فكسّروا أبوابها وأخذوا ما كان لأهلها فتوجع الناس لهم وعلموا أن خراب حصنهم سبب لانقطاع منفعة الناس من الحجيجِ فعمل موفق الخادم الخاتوني لهـم أبوابـًا مـن حديد وحملها على اثني عشر جملًا وأنفذ الصناع لتنقية العين والمصنع وكانت العرب طموهمـا واغتـرم علـى ذلـك مـالًا كثيـرًا وتولـى ذلـك نقيـب مشهـد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأعيـدت المكـوس والمواصيـر‏.‏

وألـزم الباعـة أن يرفعـوا إلـى السلطـان ثلثي ما يأخذونه من الدلالة في كـل مـا يبـاع وفـرض علـى كل نول من السقلاطون ثمانية أقساط وحبة ثم قيل للباعة‏:‏ زنوا خمسة آلاف شكرًا للسلطان فقد تقدم بإزالة المكس‏.‏

ومرض وزير السلطان محمود فعاده السلطان وهنأه بالعافية فعمل له وليمة بلغت خمسين ألف دينار وكان فيها الأغاني والملاهي‏.‏

وفـي رجـب‏:‏ أخـذ القاضـي أبوعبـد اللـهّ ابـن الرطبـي شـواء مـن الأعاجم فشهره فمضى وشكا إلى

العجم فأقبل العجم في خمسة غلمان أتراك فأخذوه وسحبوه إلى دار السلطان وجرت فتنة وغلقـت أبـواب الحديـد ورجمهـم العامـة فعـادوا علـى العامـة بالدبابيـس فانهزمـوا وحملـوه فلمـا شرح الحال لوزير السلطان أعيد مكرمًا وطولب أهل الذمة بلبس الغيار فانتهى الأمر إلى أن سلموا إلى الخليفة أربعة آلاف وإلى السلطان عشرين ألـف دينـار وأحضـر الجالـوت فضمنهـا وجمعها‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

الحسن بن أحمد بن الحسن بن علي أبو علي الحداد الأصفهاني ولد سنة تسع عشرة وأربعمائة وسمع أبا نعيم وغيره انتهى إليه الإقراء والحديث بأصبهان وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة عن ست وتسعين‏.‏

خاتون السفرية كانت حظية ملكشاه فولدت لة محمدًا وسنجر وكانت تتدين وتبعث حمال السبيل إلى طريق مكة ولما حصلت في الملك بحثت عن أهلها وأمها وأخواتها حتى عرفت مكانهم ثم بذلت الأموال لمن يأتيها بهم فلما وصلوا إليها ودخلت أمها وكانت قد فارقت أمها منذ أربعين سنة فجلست البنت بين جوار يقاربنها في الشبه حتى تنظر هل تعرفها أم لا فلما سمعت الأم كلامهـا نهضـت إليهـا فقبلتها وأسلمت الأم فلما توفيت خاتون قعد لها السلطان محمود في العزاء على ما سبق ذكره‏.‏

وهـذه المـرأة تذكر فـي نـوادر التاريـخ لأنهـم قالـوا‏:‏ لا يعلم امرأة في الإسلام ولدت خليفتين أو ملكين سوى ولادة بنت العباس لأنها ولـدت لعبـد الملـك الوليـد وسليمـان ووليـا الخلافـة وشاهفرنـد ولدت للوليد بن عبد الملـك يزيـد وإبراهيـم وكلاهمـا ولـي الخلافـة والخيـزران ولـدت الهـادي والرشيد وهذه ولدت محمدًا وسنجر وكلاهما ولي السلطنة وكان عظيمًا في ملكه‏.‏

عبد الرزاق بن عبداللّه بن علي ابن إسحاق الطوسي ابن أخي نظام الملك كان قد تفقه على الجويني وأفتى وناظر ثم وزر لسنجر فترك طريقة الفقهاء واشتغل بالجند وتدبير الممالك وتوفي في هذه السنة‏.‏

عبد الوهاب بن حمزة أبوسعد الفقيه الحنبلي العدل سمع ابن النقور وا لصريفيني وغيرهما وتفقه على الشيخ أبي الخطاب وأفتى وشهد عند أبي الحسن الدامغاني وكان مرضي الطريقة حميد السيرة من أهل السنة توفي في شعبان ودفن بباب حرب‏.‏

علي بن يلدرك الكاتب أبو الثناءالزكي كان شاعرًا ذكيًا ظريفًا مترسلًا وله شعر مطبوع‏.‏

وتوفي في صفر هذه السنة ودفن بباب حرب قال المصنف‏:‏ نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل قال‏:‏ حدثني الرئيس أبو الثناء بن يلدرك وهو ممن خبرته بالصدق أنه كان بسوق نهر معلى وبين يديه رجل على رأسه قفص زجاج وذاك الرجل مضطرب المشي يظهر منه عدم المعرفة بالحمل قال‏:‏ فما زلت أترقب منه سقطة لما رأيت من اضطراب مشيه فما لبث أن زلق زلقة طاح منها القفص فتكسر جميع ما كان فيه فبهت الرجل ثم أخذ عند الإفاقة من البكاء يقول‏:‏ هذا والله جميع بضاعتي والله لقد أصابنـي بمكـة مصيبـة عظيمـة توفـي علـى هـذه مـا دخـل قلبـي مثـل هـذه واجتمـع حوله جماعة يرثون لـه ويبكـون عليـه وقالوا‏:‏ ما الذي أصابك بمكة فقال‏:‏ دخلت قبة زمزم وتجردت للاغتسال وكان فـي يـدي دملـج فيه ثمانون مثقالًا فخلعته واغتسلت ولبست وخرجت‏.‏

فاتال رجل من الجماعة هذا دملجك له معي سنين فدهش الناس من إسراع جبر مصيبته‏.‏

علي بن المدير الزاهد كان يسكن دار البطيخ من الجانب الغربي وله مسجد معروف اليوم به وله بيت إلى جانبه وكـان يتعبـد فتوفـي في ربيع الآخر من هذه السنة وصلى عليه بجامع القصر وكان يومًا مشهودًا وحمل ودفن في البيت الذي إلى جانب مسجده‏.‏

محمد بن علي بن عبيد الله الدنف أبوبكر المقرىء ولد سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة وسمع ابن المسلمه وابن المهتدي والصريفيني وابن النقور ونظراءهم وتفقه على الشريف أبي جعفر وكان من الزهاد الأخيار ومن أهل السنة وانتفع به خلق كثير وحدث بشيء يسير وتوفي في شوال ودفن بباب حرب‏.‏

محمد بن محمد بن عبد العزيز بن العباس بن محمد بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن المهتدي ولد في جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وسمع ابن غيلات والقزويني والجوهري والطبري ونظراءهم وحدث عنهم وهو آخر من حدث عن العتيقي وأبي منصور ابن السواق وأبي القاسم بن شاهين وكان ثقة عدلًا دينًا صالحًا وشهد عند أبي عبدالله الدامغاني وهو آخر من بقي من شهود القائم بأمر الله وكان من ظراف البغداديين ومحاسن الهاشميين ومات عن ثلاث وثمانين سنة وتَوفـي يوم الجمعة خامس عشرين شوال وحضر قاضي القضاة الزينبي والنقيبان والأعيان ودفن بباب حرب‏.‏

محمد بن محمد بن الجزري أبو البركات البيع سمع البرمكي والجوهري وكان سماعه صحيحًا

وتوفي في ليلة الأحد خامس عشرين ذي القعدة ودفن بباب حرب نزهة المعروفة بأم السادة أم ولد المسترشد توفيت وحملت إلى الرصافة وخرج معها عميد الدولة بن صدقة والجماعة بالنيل

بن الحسن الهروي أبو الخير سمع من ابن النظر وطراد وأقرانهما الكثير وكتب الكثير وأفاد الطلبة من الغرباء والحاضرين وكان ثقة من أهل السنه خيرًا واخترمته المنية قبل أوان الرواية وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب‏.‏

 ثم دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة

فمن الحوادث فيها أنه في عشية يوم الأحد خامس عشـر المحـرم استدعـى الوزيـر أبـو طالـب علـي بـن أحمـد السميرمـي وخاطبه في معنى دبيس فإن في قربه من مدينة السلام خطرًا على أهلها وإنا نؤثر مقام آقسنقر البرسقي عندنا لأنا لا نشك في نصحه فوافق السلطان محمود على ذلك وكوتب البرسقي لينحدر وأرسل في ذلك سديد الدولة أبو عبدالله ابن الأنباري فأقبل إلى بغداد فخرج وزير السلطان فتلقاه ونصبت له الخيم بتولي فراشي الخليفة الخواص‏.‏

وفـي يـوم الأربعاء حادي عشر المحرم‏:‏ قصد برنقش دار الخلافة ومعه منصور أخو دبيس وأنزل عند باب النوبي فقبل الأرض وجلس عند حاجب الباب ليطالع بخاله ثم مضى برنقش إلى الديوان وقال‏:‏ إن السلطان يخاطب في الرضا عن منصور ويشفع في ذلك فنزل الجواب عرف حضور منصور بالشفاعة المغيثية معتذرًا مما جرى من الوهلات وتقدم من الإسا آت وما دام مع الرايات المغيثية فهو مخصوص بالعناية مشمول بالرعاية وفي هذه السنة‏:‏ زاد الماء حتى خيف على بغداد من الغرق وتقدم إلى القاضي أبي العباس ابن الرطبـي بالخـروج الـى القـورج ومشاهـدة مـا يحتـاج إليـه وهـذا القـورج أي غـرق النـاس منـه فـي سنـة سـت وستيـن تولى عمارته نوشتكين خادم أبي نصر بن جهير وكتب اسمه عليه وضرب عليه خيمه ولم يفارقه حتى أحكمه وغرم عليه ألوف دنانيرمن مال نفسه وسأله محمد الوكيـل أن يأخذ منه ثلاثة آلاف دينار ويشاركه في الثواب فلم يفعل وقال‏:‏ إخراج المال عندي أهون وحاجتي إلى اللّه تعالى أكثر من حاجتي إلى المال‏.‏

وفي يوم الأربعاء رابع عشر صفر‏:‏ مضى الوزير أبو علي بن صدقة ومعه موكب الخليفة إلى القورج واجتمع بالوزير أبي طالب ووقفا على ظهور مراكبهما ساعة ثم إنصرفا فما استقر النـاس فـي منازلهـم حتـى جـاء مطـر عظيـم أجمـع الأشيـاخ أنهـم لـم يـروا مثلـه فـي أعمارهم ووقع برد عظيم معه ولم يبق بالبلد دار إلا ودخل الماء من حيطانها وأبوابها وخرج من آبار الناس‏.‏

وفي هذا الوقت‏:‏ ورد الحاج شاكرين لطريقهم واصفين نعمة الله تعالى بكثرة الماء والعشب ورخـص السعـر وكانـت الكسـوة نفـذت علـى يـدي القاضـي أبـي الفتـح ابـن البيضاوي وأقام بالمدينة لعمارة ما تشعث من مسجدها‏.‏

وفي عشية سلخ صفر‏:‏ تقدم السلطان بالاستظهار على منصور بن صدقة ونفذ إلى مكان فوثق عليه وفـي يـوم الأربعـاء غـرة ربيع الأول‏:‏ خرج السلطان محمود من بغداد وكان مقامه بها سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يومًا ثم نودي في يوم الجمعة ثالث ربيع الأول بإسقاط المكوس والضرائب ومـا وضـع علـى الباعـة مـن قبـل السلطـان ثـم استدعي البرسقي إلى باب الحجرة وفووض في أمر دبيس فقابل ذلك بالسمع والطاعة فخلع عليه وتوجه إلى صرصر واقترح أن يخرج معه ابن صدقة قاعتذر الخليفة بأن مهام الخدمة منوطة به وأخرج عوضه أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم ابن الأنباري سديد الدولة ونودي في الحريم أنه متى أقام جندي ولم يخرج للقتال فقد برئـت منـه الذمة وعبر دبيس ونفذ إلى البرسقي يقول له‏:‏ قد أغنيتك عن العبور وصرت معك على أرض واحدة وظفر الأتـراك بثلاثيـن رجـلًا مـن السواديـة يريـدون أن يفجـروا نهـرًا فقتلهـم الأتراك ثم تصاف العسكران يوم الخميس سلخ ربيع الأول فأجلت الوقعة عن هزيمة البرسقي فقد كان في خمسة آلاف فارس نصفهم لابس وكان عسكر دبيس في خمسة آلاف فارس بأسلحة ناقصة وعدد مقصرة إلا أن رجالته كانت كثيرة وكان سبب هزيمة البرسقي أنه رأى فـي الميسـرة خللًا فأمر بحط خيمته لتنصب عندهم ليشجعهم بذلك وكان ذلك ضلة من الرأي لأنهم لما رأوا الخيمة قد حطت أشفقوا فانهزموا وكان الحر شديدًا فهلكت البراذين والهمالـج عطشًا وترقب الناس من دبيس بعد هذا ما يؤذي فلم يفعل وأحسن السيرة فيما يرجع إلى أعمال الوكلاء وراسل الخليفة بالتلطف وتقررت قواعد الصلـح واستقـر إنفـاذ قاضـي القضـاة الزينبي ليحلف سيف الدولة على المستقر فعله بعد الصلاح فاستعفى فأعفي ونص على أبي العبـاس ابـن الرطبي فخرج مع ناصح الدولة أبي عبداللّه الحسين ابن جهير وتبعهما إقبال الخادم وعـادوا إلـى الحلـة فقصدوا وقت دخولهم دار الوزير ابن صدقة ليوهموه خلاف ما هم عليه من تقرر الأحوال على عزله فلم يخف عليه ولا على الناس وعرف إن التقريرات استقرت بينهم عليه وانزعج وكان كل واحد من دبيس وابن صدقة معلنًا بعداوة الآخر فبكر ابن صدقة إلى الديوان على عادته وجلس في الموكب وكان يوم الخميس وخرج جواب ما أنهى ثم استدعى إلـى مكـان وكـل بـه فيه ونهبت داره التي كان يسكنها بباب العامة ودور حواشيه وأتباعه وقبض علـى حواشيـه وعلـى عـز الدولـة أبـي المكارم ابن المطلب ثم أفرج عنه ورد إليه ديوان الزمام بعد وفـي غـداة يـوم الجمعـة الحـادي والعشريـن من جمادى الأولى‏:‏ استدعي بأمر الخليفة علي بن طراد إلى باب الحجرة وأخرجت له خلع من ملابس الخاص ووقع له بنيابة الوزارة وكـان نسخـة التوقيع‏:‏ محلك يا نقيب النقباء من شريف الآباء وموضعك الحالي بالاختصاص والاختيار ما يقتضيه إخلاصك المحمود اختياره الزاكية آثاره توجب التعويل عليك في تنفيذ المهام والرجوع إلى استصوابك في النيابة التي يحسن بها القيام وجماعة الأولياء والأتباع مأمورون بمتابعتك وامتثال ما تصرفهم عليه من الخدم في إبدائك وإعادتك فاحفظ نظام الدين وتقدم إلى من جرت عادته بملازمة الخدمة وسائر الأعوان وتوفر على مراعاة كالأحوال بانشراح صدر وفراغ بال فإن الإنعام لك شامل وبنيل آمالك كافل إن شاء اللّه‏.‏

ثـم تقـدم الخليفـة بعـد مـدة مـن عـزل الوزير بإطلاقه إلى دار يمن وجمع بينه وبين أهله وولده وفعل معه الجميل‏.‏

ثم قدم أقضى القضاة أبو سعد الهروي من العسكر بهدايا من سنجر ومال وأخبر أن السلطان محمود قد استوزر عثمان بن نظام الملك وقد عول عثمان على القاضي الهروي بأن يخاطب الخليفة في أن يستوزر أخاه أبا نصر أحمد بن نظام الملك وأنه لا يستقيم له وزارة وابن صدقة بدار الخلافة وقال‏:‏ أنا أتقدم إلى من يحاسبه على ما نظر للسلطان فيه من الأعمال ويحاققه‏.‏

وإن أراد المسالمـة فالدنيا بين يديه فليتخير أي موضع أحب فليقم فيه فتخير ابن صدقة حديثة الفرات ليكون عند سليمان بن مهارش فأجيب وأخرج وحقر فوقع عليه يونس الحرمي وجرت له معه قصص وضمانات حتى وصل الحديثة ورأى في البرية رجلًا فاستراب به ففتش فإذا معـه كتـاب مـن دبيـس إلـى يونـس يحثـه علـى خدمـة الوزيـر أبـي علـي وكتـاب باطـن يضمـن له إن سلمه إليه ستة آلاف دينار عينًا وقرية يستغلها كل سنة ألفي دينار‏.‏

واستدعي أبو نصر أحمد بن نظام الملك في نصف رمضان من داره بنقيب النقباء علي بن طراد وابن طلحة صاحب المخزن ودخل إلى الخليفة وحده وخرج مسرورًا وأفردت له دار ابـن جهيـر ببـاب العامـة وخلـع عليـه فـي شـوال وخـرج إلـى الديـوان وقـرىء عهـده وكان علي بن طراد بين يديه يأمر وينهى وأمر بملازمة مجلسه‏.‏

فأمـا حديـث دبيـس فقـد ذكرنـا مـا تجدد بينه وبين الخليفة من الطمأنينة وأسباب الصلح فلما كان ثاني رمضان بعث طائفة من أصحابه فاستاقوا مواشي نهر الملك وكانت فيما قيل تزيد على مائـة ألـف رأس فبعث الخليفة إليه عفيفًا الخادم يقبح له ما فعل فلما وصل إليه أخرج دبيس ما فـي نفسـه ومـا عومـل به من الأمور الممضة منها أنهم ضمنوا له هلاك ابن صدقة عدوه فأخرجوه مـن الضيـق إلـى السعـة وأجلسـوا ابـن النظام في الوزارة شيئًا فشيئًا ورياء ومنها أنه خاطبهم في إخـراج البرسقـي مـن بغـداد فلم يفعلوا ومنها أنهم وعدوه في حق أخيه منصور أنهم يخاطبوا في إصلاح حاله وخلاصه مـن اعتقالـه وأنـه كتـب إليـه مـن العسكـر أن انحـراف دار الخلافـة هـو الموجب لإخذه ولو أرادوا إخراجه لشفعوا فيه فهم عفيف بمجادلته فلم يصغ دبيس إليه وقال له‏:‏ قد أَجلتكم خمسة أيام فإن بلغتم ما أريده وإلا جئت محاربًا وتهدد وتوعد فبادر عفيف بالرحيل وأتت رجالة الحلة فنهبوا نهر الملك وافترشوا النساء في رمضان وأكلوا وشربوا فجاء عفيف فحكى للخليفة ماجرى‏.‏

وفـي ذي الحجـة‏:‏ أخـرج المسترشـد السـرادق ونـودي النفيـر فأميـر المؤمنيـن خـارج إلى القتال عنكم يا مسلمين‏.‏

وغلا السعر فبلغ ثلاثة أرطال بقيراط وأمر المسترشد أن يتعامل الناس بالدراهم عشرة بدينار والقراضة اثني عشر بدينار‏.‏

وخرج الخليفة يوم الجمعة الرابع والعشرين من ذي الحجة من داره وعبر إلى السرادق ومعه الخلق‏.‏

قال المصنف‏:‏ ولنذكر مبتدأ أمر هذا دبيس كما نفعل في ابتداء أمور الدول وذلك أن أول من نبـغ مـن بيتـه مزيـد فجعـل إليـه أبـو محمـد المهلبي وزير معز الدولة أبي الحسين بن بويه حماية سورا وسادها فوقع الاختلاف بين بني بويه وكان يحمي تارة ويغير أخرى وبعث به فخر الملك أبو غالب إلى بني خفاجة سنة القرعاء فأخذ الثار منهم ومات فقام مقامه ابنه أبو الآعز دبيس وكان عائنًا قل أن يعجب بشيء إلا هلك حتى إنه نظر إلى ابنه بدران فاستحسنه فمات وكـان يبغـض ابـن ابنـه صدقـة وهـو أبـو دبيـس هـذا فعوتـب فـي هـذا فقـال‏:‏ رأيـت في المنام كأنه قد بلـغ أعنـان السمـاء وفـي يـده فـأس وهـو يقلـع الكواكب ويرمي بها إلى الأرض ووقع بعدها ولا شك أنـه يبلـغ المنزلـة الزائـدة وينفـق في الفتن ويهلك أهل بيته وتوفي أبو الأعز وخلف ثمانين ألف دينار فولي مكانه ابنه منصور ثم مات فولي ابنه صدقة فأقام بخدمة السلطان ملكشاه ويؤدي إليه المال ويقصد بابه كل قليل فلما قتل النظام استفحل أمره وأظهر الخلاف وعلم أن حلته لا تدفع عنه فبنى على تل بالبطيحة وعول على قصده إن دهمه عدو أو أمر وأن يفتـح البثـوق ويعتصـم بالميـاه وأخـذ علـى ابـن أبـي الخيـر موثقـًا علـى معاضدته ثم ابتاع من عربه مكانًا هو على أيام من الكوفة فأنفق عليه أربعين ألف دينار وهو منزل يتعذر السلوك إليه وعمر الحلة وجعل عليها سورًا وخندقًا وأنشأ بساتين وجعل الناس يستجيرون بـه فأعطـاه المستظهـر دار عفيـف بـدرب فيروز فغرم عليها بضعة عشر ألف دينار وتقدم الخليفة بمخاطبته بملك العرب وكان قد عصى السلطان بركيارق وخطب لمحمد فلما ولي محمد صار له بذلك جاه عند محمد وقرر مع أخيـه بركيـارق أن لا يعـرض لصدقـة وأقطعـه الخليفـة الأنبـار ودممـا والفلوجة وخلع عليه خلعًا لم تخلع على أمير قبله فأعطاه السلطان واسطًا وأذن له في أخذ البصرة وصار يدل على السلطان الإدلال الذي لا يحتمله وإذا وقع إليه رد التوقيع أو أطال مقام الرسول على مواعيد لا ينجزها وأوحش أصحاب السلطان أيضًا وعادى البرسقي وكان يظهر بالحلة من سب الصحابة ما لا يقف عند حد فأخذ العميد ثقة الملوك أبو جعفر فتاوى فيما يجب على من سب الصحابة وكتب المحاضر فيما يجري في بلد ابن مزيد من ترك الصلوات وأنهم لا يعرفون الجمعة والجماعات ويتظاهرون بالمحرمات فأجاب الفقهاء بأنه لا يجوز الإغضاء عنهم وإن من قاتلهم فله أجر عظيم وقصد العميد باب السلطان وقال‏:‏ إن حال ابن مزيد قد عظمت وقد قلت فكرته في أصحابك وقد استبد بالأموال وأهمل الحقوق ولو نفذت بعض أصحابك ملكته ووصلت إلى أموال كثيرة عظيمة وطهرت الأرض من أدناسه فإنـه لا يسمـع ببلـده آذان ولا قرآن وهذه المحاضر باعتقاده والفتاوى بما يجب عليه وهذا سرخاب قد لجأ إليه وهـو علـى رأيه في بدعته التي هي مذهب الباطنية وكان قد اتفقا على قلب الدولة وإظهار مذهب الباطنية وكان السلطان قد تغير على سرخاب فهرب منه إلى الحلة فتلقاه بالإكرام فراسله السلطان وطالبه بتسليمه فقال‏:‏ لا أفعل ولا أسلم من لجأ إلي ثم قال لأولاده وأصحابه بهـذا الرجـل الـذي قـد لجـأ إلينا تخرب بيوتنا وتبلغ الأعداء منا المراد وكان كما قال فإن السلطان قصـده فاستشار أولاده فقال دبيس‏:‏ هذا الصواب أن تسلم إلى مائة ألف دينار وتأذن لي في الدخول إلى الاصطبلات فأختار منها ثلثمائة فرس وتجرد معي ثلثمائة فارس فإني أقصد باب السلطان وأعتذر عنك وأزيل ما قد ثبت في نفسه منك وأخدمه بالمال والخيل وأقرر معه أن لا يتعرض بأرضك فقال بعض الخواص‏:‏ الصواب أن لا تصانع من تغيرت فيك نيته وإنما ترد بهذه الأموال كمن يقصدنا فقال صدقة‏:‏ هذا هو الرأي فجمع عشرين ألفًا من الفرسان وثلاثين ألفـًا مـن الرجالـة وجـرت الوقعـه على ما سبق في كتابنا في حوادث تلك السنة وذكرنا أن الخليفة بعث إلى صدقة ليصلح ما بينه وبين السلطان فأذعن ثم بدا له وقد ذكرنا مقتله‏.‏

ثم نشأ له دبيس هذا ففعل القبائح ولقي الناس منه فنون الأذى وبشؤمه بطل الحج في هذه السنـه لأنـه كـان قـد وقعـت وقعـة بينـه وبيـن أصحابه وأهل واسط فأسر فيها مهلهل الكردي وقتل فيها جماعة ونفد المسترشد إليه يحذره من إراقة الدماء ويأمره بالاقتصار على ما كان لجده من البلاد ويشعره بخروجه إليه إن لم يكف فزاد في طغيانه وتواعد وأرعد وأقبلت طلائعه فانزعج أهل بغداد فلما كانت بكرة الثلاثاء ثالث شوال صلب البرسقي تسعة أنفس ذكر أنهم مـن أهـل حلـب والشـام وأن دبيـس بن صدقة أرسلهم لقتل البرسقي في تاسع ذي القعدة وضرب الخليفـة سرادقـه عنـد رقـة ابـن دحـروج ونصـب هنـاك الجسـر ثـم بعـث القاضي أبو بكر الشهرزوري إلى دبيس ينذره وكان من جملة الكلام‏:‏ ‏{‏وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا‏}‏ فاحتد وغضب وكانت فرسانه تزيد على ثمانية آلاف ورجالته عشرة آلاف فأمر القاضي أبا بكر بمشاهدة العسكر فصلى المسترشد يوم الجمعة رابع عشرين ذي الحجة ونزل راكبًا من باب الغربة مما يلي المثمنة وعبر في الزبزب وعليه القباء والعمامة وبردة النبي صلى الله عليه وسلم على كتفيه والطرحة علـى رأسـه وبيـده القضيـب ومعـه وزيـره أحمـد بـن نظـام الملـك والنقيبـان وقاضي القضاة الزينبي وجماعة الهاشميين والشهود والقضاة والناس فنزل بالمخيم وأقام به إلى أن انقضى الشهر أعني ذا الحجة‏.‏

وفـي هـذه السنـة‏:‏ وصـل أبـو الحسـن علـي بـن الحسيـن الغزنوي ووعظ ببغداد وصار له قبول وورد بعـده أبـو الفتـوح الاسفرائينـي ونـزل بربـاط أبـي سعـد الصوفـي وتكلـم بمذهـب الأشعـري ثـم سلم إليه ربـاط الأرجوانيِـة والـدة المقتدي وورد الشريف أبو القاسم علي بن يعلى العلوي ونزل برباط أبي سعد أيضًا وتكلم على الناس وأظهر السنة فحصل له نفـاق عنـد أهـل السنـة وكـان يـورد الأحاديث بالأسانيد‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أبوعلي الباقرحي ولد سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وسمع أبا القاسم التنوخي وأبا بكر بن بشران والقزوينـي وابن شيطا والبرمكي والجوهري وغيرهم وكان رجلًا مستورًا من أولاد المحدثين فهو محدث وأبوه وجده وأبو جده وجد جده‏.‏

وتوفي في هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب عبد اللّه بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث أبو محمد السمرقندي أخو شيخنا أبي القاسم ولد بدمشق سنة أربع وأربعين وأربعمائة ونشأ ببغداد فسمع الكثير من الصريفيني وابن النقور وغيرهمـا وسمـع ببيـت المقـدس وبنيسابـور بلـخ وبسرخـس وبمـرو وبإسفرائين وبالكوفة وبالبصرة وغير ذلك من البلاد صحب أباه والخطيب وجمع وألف وكان صحيح النقل كثير الضبط ذا فهم ومعرفة‏.‏

أنبأنـا أبو زرعة بن محمد بن طاهر عن أبيه قال‏:‏ سمعت أبا إسحاق المقدسي يقول‏:‏ لما دخل أبـو محمـد السمرقنـدي بيـت المقـدس قصـد أبـا عثمـان بـن الورقاء فطلب جزءًا فوعده به ونسي أن يخرجـه فتقاضـاه فوعـده مـرارًا فقال له‏:‏ أيها الشيخ لا تنظر إلى بعين الصبوة فإن اللّه قد رزقني من هذا الشأن ما لم يرزق أبا زرعة الرازي فقال الشيخ‏:‏ الحمدلله ثم رجع إليه يطلب الجزء فقال الشيخ‏:‏ أيها الشاب إني طلبت البارحة الأجزاء فلم أجد فيها جزءًا يصلح لأبي زرعة الرازي فخجل وقام توفي أبومحمد يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الآخر من هذه السنة عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف أبو طالب بن أبي بكر بن أبي القاسم الأصفهاني الأصل‏.‏

ولد سنة ست وثلاثين وأربعمائة وسمـع البرمكـي والجوهـري والعشـاري وابن المذهب وغيرهم وسمع الكثير وحدث بالكثير سنين وكـان الغايـة فـي التحـري وإتبـاع الصـدق والثقة وكان صالحًا كثير التلاوة للقرآن كثير الصلاة وهو آخر من حدث عن أبي القاسم الأزجي وتوفي يوم السبت ثامن عشر ذي الحجة ودفن بباب حرب علي بن أحمد أبو طالب السميرمي وسميرم قوية بأصبهان كان وزيرالسلطان محمود وكان مجاهرًا بالظلم والفسـق وبنـى ببغـداد دارًا على دجلة فأخرب المحلة المعروفة بالتوثة ونقل آلاتها إلى عمارة داره فاستغاث إليه أهل التوثة فحبسهم ولم يخرجهم إلا بغرم وهو الذي أعاد المكوس بعد عشرين سنين من زمان إزالتهـا وكـان يقول‏:‏ لقد سننت على أهل بغداد السنن الجائرة فكل ظالم يتبع أفعالي وما أسلم فـي الدنيـا وقـد فرشـت حصيرًا في جهنم وقد إستحييت من كثرة التعدي على الناس وظلمي مـن لا ناصـر لـه وقـال هـذا فـي الليلـة التـي قتـل في صباحها وكان سرادقه قد ضرب بظاهر البلد وركـب فـي بكـرة ذلـك اليوم وقال‏:‏ قد عزمت على الركوب والإلمام بالحمام والعود عاجلًا المسير فـي الوقـت الـذي اختـاره المنجمـون فعـاد ودخل الحمام ثم خرج وبين يديه من العدد ما لا يحصى مـن حملـة السلـاح والصمصامـات والسيـوف ولـم يمكنـه سلـوك الجـادة التي تلي دجلة لزيادة الماء هناك فقصـد سـوق المدرسـه التـي وقفهـا خمارتكيـن التتشي واجتّاز في المنفذ العتَيق الذي فيه حظائر الشـوك فلمـا خـرج أصحابـه بأجمعهـم منـه وبرز عنق بغلته ويداها وثب رجل من دكة في السوق فضربه بسكين فوقعت فـي البغلـة ثـم هـرب إلـى دار علـى دجلـة فأمـر بطلبـه فتبعـه الغلمـان وأصحـاب السلـاح فخلا منهم المكان فظهر رجل آخر كان متواريًا فضربه بسكين في خاصرته ثم جذبه عـن البغلة إلى الأرض وجرحه عدة جراحات فعاد أصحاب الوزير فبرز لهم اثنان لم يريا قبل ذلك فحمـلا عليهـم مـع الـذي تولـى جراحتـه فانهـزم ذلـك الجمـع مـن بيـن يـدي هـؤلاء الثلاثـة ولـم يبـق مـن لـه قـدرة علـى تخليصه ولحلاوة الروح قام الوزير وقد اشتغلوا عنه بالحملات على أصحابه فأراد الارتقـاء إلـى بعـض درج الغـرف التـي هنـاك فعـاوده الذي جرحه فجره برجله وجعل يكرر الضرب في مقاتله والوزير يستعطفه ويقول له‏:‏ أنا شيخ فلم يقلع وبرك على صدره وجعل يكبر ويقول بأعلى صوته‏:‏ الله أكبر أنا مسلم أنا موحد هذا وأصحاب الوزير يضربونه على رأسه وظهره بسيوفهم ويرشقونه بسهامهم وذلك كله لا يؤلمه وسقط حين استرخت قوته فوجدوه لم يسقط حتى ذبحه كما يذبح الغنم وقتل مع الوزير رجلان من أصحابه وحملت جثة الوزير على بارية أخذت من الطريق إلى دار أخيه النصير وحز رأس الذي تولى قتله وقتل الأربعة الذين توله قتله وحز رأس القاتل خاصة فحمل إلى المعسكر وجيء بالضارب الـأول فقتـل فـي المكـان وألقيـت رممهـم بدجلـة وكانـت زوجـة هذا الوزير قد خرجت في بكرة اليوم الذي قتل فيه راكبة بغلـة تساوي ثلثمائة دينار بمركب لا يعرف قيمته وبين يديها خمس عشرة جنيبهَ بالمراكب الثقال المذهبة ومعها نحـو مائـة جاريـة مزينـات بالجواهـر والذهـب وتحتهـن الهماليـج بمراكـب الذهـب والفضة وبين أيديهم الخدم والغلمان والنفاطون بالشموع والمشاعل فلما استقرت بالخييم المملوءة بالفرش والأموال والحمال جاء‏!‏ خبر قتل زوجها فرجعت مع جواريها وهن حواسر حـواف فأشبه الأمر قول أبي العتاهية‏.‏

رحن في الوشي وأصبح ** ن عليهـن المسوح

ولقـول أبـي العتاهيـة هـذا قصـة وهـو أن الخيـزران قدمـت على المهدي وهو بماسبذان في مائة قبة ملبسة وشيًا وديباجًا فمات فعادت إلى بغداد وعلى القباب المسوح السود مغشاة بها فقال أبو العتاهية‏:‏

رحن في الوشي وأصبح ** ن عليهـن المسوح

كـل نطـاح مـن الده ** ر له يوم نطوح

لتموتن ولو عـم ** ر ت ما عمـر نـوح

فعلى نفسك نـح لا ** بـد إن كنـت تنوح

وكان قتل السميرمي يوم الثلاثاء سلخ صفر وكانت مدة وزارته ثلاث سنيـن وعشـرة أشهـر وعشرين يومًا‏.‏

علي بن محمد بن فنين أبوالحسن البزاز سمـع أبـا بكر الخياط وأبا الحسين بن المهتدي وأبا الحسين ابن المسلمة وغيرهم وحدث عنهم وقرأ بالقرا آت وكان سماعـه صحيحـًا‏.‏

وتوفـي ليلـة الأحـد خامـس ذي الحجـة ودفـن ببـاب حرب سمع القاضي أبا يعلى وابن المهتدي وابن المسلمة وغيرهم وحدَّث عنهم وقرأ بالقرا آت وكان سماعه صحيحًا وتوفي ليلة الأحد خامس ذي الحجة ودفن بباب حرب‏.‏

القاسم بن علي بن محمد بن عثمان أبو محمد البصري الحريري صاحب المقامات كان يسكن محلة بني حرام بالبصرة ولـد فـي حـدود سنـة سـت وأربعيـن وأربعمائـة وسمـع الحديث وقرأ الأدب واللغة وفاق أهل زمانه بالذكاء والفطنة والفصاحة وحسن العبارة وأنشأ المقامات التي من تأملها عرف قدر منشئها وتوفي في هذه‏!‏ السنة بالبصرة‏.‏

محمد بن علي بن منصور بن عبد الملك أبو منصور القزويني قرأ القرآن على أبي بكر الخياط وغيره وكان يقرىء الناس وسمع أباه وأبا طالب بن غيلان وأبا إسحاق البرمكـي وأبـا الطيـب الطبـري وأبـا الحسـن المـاوردي والجوهـري وغيرهـم وكـان صالحًا خيرًا له معرفة باللغة والعربية وتوفي في شوال هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب‏.‏